الشيخ محمد النهاوندي

57

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قلنا : اتّفق المفسّرون على أنّ المراد من الآيات خصوص اليهود ، ويشهد لذلك ما روي في شأن نزولها : من أنّ مالك بن الصّيف ووهب بن يهوذا اليهوديّين ، مرّا بنفر من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وفيهم ابن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وسالم مولى حذيفة ، فقالا لهم : نحن أفضل منكم وديننا خير ممّا تدعوننا إليه . فنزلت [ الآية ] « 1 » . ثمّ بيّن اللّه سبحانه سوء حالهم في الآخرة بقوله : وَباؤُ ورجعوا في الآخرة ، أو المراد تمكّنوا واستقرّوا بِغَضَبٍ وعذاب عظيم كائن مِنَ اللَّهِ العظيم . وفيه أشّد التّهديد . ثمّ لمّا كان همّ اليهود في الرّئاسات الباطلة والحطام الدنيوي ، زاد سبحانه في تهديدهم بالأخبار بحرمانهم منها في الدّنيا بقوله : وَضُرِبَتْ واشتملت عَلَيْهِمُ اشتمال القبّة على من فيها الْمَسْكَنَةُ والفقر والمقهورية ، في أيدي المسلمين وسائر الملل ، فلا يكون لهم ملك وسلطان ورئاسة وثروة ظاهرة ، حيث إنّهم وإن كثرت ثروتهم يظهرون الفقر بين النّاس . وقيل : إنّ المراد بالمسكنة هي الجزية « 2 » . ثمّ أشار سبحانه إلى علّة هذه العقوبات بقوله : ذلِكَ المذكور من الشّدائد الدّنيويّة والاخرويّة معلّل بِأَنَّهُمْ كانُوا من زمان بعثة محمّد صلّى اللّه عليه وآله على الاستمرار يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ النّاطقة بنبوّته ، وينكرون علائمه المذكورة في التّوراة ، ويحرّفون عباراتها المبشّرة ببعثه ، الدّالّة على أوصافه وعلائمه ، ويجحدون إعجاز القرآن وسائر معجزاته وَ بأنّهم كانوا يَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ من بني إسرائيل ، كزكريّا ، ويحيى وغيرهما ، مع علمهم بأنّ قتلهم بِغَيْرِ حَقٍّ يوجبه أو يجوّزه . قيل : إنّ إسناد القتل إلى الّذين كانوا في زمان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لرضاهم بفعل أسلافهم ، وتصويبهم له « 3 » . عن ( الكافي ) والعيّاشي : عن الصادق عليه السّلام : « واللّه ما قتلوهم بأيديهم ، ولا ضربوهم بأسيافهم ، ولكنّهم سمعوا أحاديثهم فأضاعوها ، فاخذوا عليها فقتّلوا » « 4 » . أقول : الظّاهر أنّ المراد من الرّواية بيان وجه نسبة قتلهم إلى مؤمني بني إسرائيل ، مع وضوح عدم مباشرتهم له ، وإنّما كان المباشر منهم . ثمّ بيّن اللّه علّة بلوغهم إلى هذه الدّرجة من الشّقاوة بقوله : ذلِكَ المذكور من الكفر والطّغيان معلّل بِما عَصَوْا اللّه وخالفوا أوامره ونواهيه ، ومسبّب عن الإصرار على صغائر الذّنوب وكبائرها ،

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 2 : 71 . ( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 185 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 2 : 79 . ( 4 ) . الكافي 2 : 275 / 6 ، تفسير العياشي 1 : 336 / 770 ، تفسير الصافي 1 : 343 .